عبد الملك الجويني

326

نهاية المطلب في دراية المذهب

استحلالَه لها مع العلم بأن تحريمها ثابت في الشرع ردٌّ للشرع ، ورادُّ الشرع مكذبٌ للشارع ، وإطلاق القول بتكفير مستحل الخمر لم يصدره الفقهاء عن ثَبَتٍ وتحقيق ، وكيف يُكفَّر من خالف الإجماع ، ونحن لا نكفر من ردّ الإجماع ، بل نبدّعه ونضلّله ؟ والسرّ اللطيف في ذلك أنا نكفر من يصدق المجمعين في نسبتهم ما ذكروه إلى الشرع ، ثم يرده . وأما وجوب الحد ، فلا شك فيه . فإن أسلم وكان قريب عهد بالإسلام ، لم يبلغه تحريم الخمر فيما زعم ، فجهله يدرأ الحد عنه ، وهو بمثابة ما لو تعاطى شراباً حسبه حلالاً ، ولم يشعر بكونه خمراً . وإن علم التحريم وجهل الحدَّ ، حُدّ . وأما الأشربة المسكرة التي أباحها أبو حنيفة ؛ فقد قدمنا قول الشافعي في إقامة الحد على الحنفي مع قبول شهادته ، ونقلنا خلاف الأصحاب في كتاب الحدود ، وفصلنا بين استحلال الحنفي النبيذ وبين استحلال الذمّي الخمر . 11201 - قال الشافعي : " من شرب شراباً ظنه غير مسكر فسكر ، ومرت عليه مواقيت صلوات ، فلا قضاء عليه " وأجمع الأصحاب أنه أراد بما قال أن ما يظنه غير مسكر في جنسه ، فيكون كالمغمى عليه تمرّ عليه مواقيت الصلوات . فأما إذا علم أن جنسه مسكر ، وظن أن قدره لا يسكره ، فإذا سكر لم يُعذر ، ويلزمه قضاء الصلوات التي تمر عليه مواقيتها في حالة السكر . وقد تمهدت هذه الأصول فيما سبق . 11202 - والذي نرى الاعتناء به التداوي بالخمر عند فرض مسيس الحاجة إليه . وقد أطلق الأئمة المعتبرون أقوالهم في الطرق أن التداوي بالخمر محرم ، وأن التداوي بها محذور ، وهذا كلام مبهم متروك على إشكاله . ونحن نذكر ما بلغنا من كلام الأصحاب وننقله على وجهه ، ثم نَجري على دأبنا في البحث والتنقيح وردّ الأمر إلى ما يجب تنزيله عليه . قالوا : من غُصَّ بلقمةٍ ولم يجد شيئاً يُسيغها إلا الخمر ، فيجب تعاطيها ، ومن أكره على شرب الخمر ، لزمه شُربُها إذا خاف على روحه ، أو ما يحل محل الروح . وقد تقدم تفصيل القول في الإكراه .